صاحب المواهب المتعددة: لماذا لا يفشل بل ينهار؟

لماذا لا يفشل أصحاب المواهب المتعددة… بل ينهارون؟

لا بأس أن يكون الإنسان إنسانًا في النهاية.
— ايترينس

عندما يُقال إن بعض البشر يملكون مواهب متعددة تجعلهم مميزين،
وأن هذه المواهب ما هي إلا هبة من الله أو عطاء من الطبيعة،
فنحن — دون أن نشعر — نُسقِط جانبًا كاملًا من القصة:
التجربة، والتعب، والصقل، وكل ما يصنع الإنسان فعلًا.

لا شك أن هناك موهبة قد يولد بها الإنسان.
هذا أمر لا خلاف عليه.
لكن من غير المنطقي أن يمتلك شخص أكثر من موهبة،
من دون أن يكون خلفها جهد ومحاولة وسنوات من الاختبار والخطأ.

ومع ذلك، يحدث شيء غريب مع أصحاب المواهب المتعددة.


وهم التوقعات

أصحاب المهارات الكثيرة يُتوقّع منهم النجاح دائمًا.
نظرة الآخرين إليهم — وأحيانًا نظرتهم لأنفسهم —
تضعهم في مكان يبدو وكأنهم معصومون عن الفشل.

والفشل هنا ليس شتيمة،
ولا حالة سلبية بطبيعتها.
الفشل مرحلة طبيعية يمر بها أي إنسان يحاول.
بل إن الفشل الحقيقي، كما نعرف جميعًا،
هو التوقف عن المحاولة.

لكن الغريب أن أصحاب المواهب المتعددة
نادراً ما يُقال عنهم إنهم فشلوا.


لماذا لا يفشلون… بل ينهارون؟

لأن ما يحدث معهم ليس فشلًا تقليديًا،
بل انهيار داخلي بطيء.

السبب في ذلك ليس الكسل،
ولا التسويف بمعناه السطحي.
بل شيء أعمق بكثير:
التوقعات العالية جدًا.

هؤلاء يرون أنفسهم قادرين على صنع المستحيل،
لكنهم يماطلون.
ليس لأنهم لا يريدون الإنجاز،
بل لأن كل مرة يُصقل فيها الحجر،
ويقول أحدهم: “هذا هو الشكل النهائي للألماسة”،
يكتشفون لاحقًا أن هناك شكلًا آخر ممكنًا.

وهكذا يدخلون في حلقة لا تنتهي:

  • تحسين
  • إعادة نظر
  • عدم رضا
  • تأجيل

ليس لأن ما صنعوه سيئ،
بل لأن سرعتهم الذهنية وتعدد احتمالاتهم
يجعل أي إنجاز يبدو لهم نسخة غير مكتملة.


العدو الحقيقي

يمكن تلخيص معاناة أصحاب المواهب المتعددة في عدوين رئيسيين:

أولًا: أنفسهم

نظرتهم القاسية لما يصنعون.
عدم رضاهم المستمر،
لا بدافع الكمال،
بل بدافع شعور داخلي بأنهم كانوا قادرين على أكثر.

ثانيًا: الآخرون

التوقعات التي تُرفع بلا أساس،
ثم تهبط فجأة لتسحق صاحبها.

وهذا ما قد يحدث لشخص منذ بداية تشكّل وعيه،
عندما يُنظر إليه على أنه:

  • الحل السحري
  • الشخص القادر على كل شيء
  • من لا يحق له أن يتعثر

عن الحلول… ولماذا لا أريد بيعك واحدة

الحلول كثيرة.
وكلنا سمعناها من قبل.
وأنا وأنت وكل من يقرأ هذا النص
نعرف أن معظمها
مجرد صفّ كلام
أو حشو جميل لا يغيّر شيئًا.

لذلك لن أقدّم وصفة جاهزة.

لكن إن كان لا بد من تسمية شيء واحد فقط،
فليكن هذا:


أن يُترك الإنسان ليختار

أن يُترك صاحب المواهب المتعددة
ليحدّد مصيره بنفسه،
لا تحت ضغط التوقعات،
ولا تحت عبء الصورة المثالية.

أن يكون مميزًا… أو عاديًا.
عن قناعة، لا عن هروب.

وصدقني،
لا ضرر أبدًا أن يكون الإنسان… إنسانًا فقط.

في المقالات القادمة، سنفكك كيف يتحول التعلّم إلى هروب، وكيف يضيع أصحاب المواهب المتعددة وقتهم دون أن يشعروا، ولماذا يصبح البدء أسهل من الاستمرار.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *